انقلاب أميركي على «الأطلسي» لا مظلّة حماية لمعارضي ترامب الأميركيتان سعيد محمد الإثنين 4 أيار 2026 يُتوقع أن يصل الإنف
انقلاب أميركي على «الأطلسي»: لا مظلّة حماية لمعارضي ترامب
الأميركيتان
سعيد محمد
الإثنين 4 أيار 2026
يُتوقع أن يصل الإنفاق العسكري الألماني إلى مستويات تاريخية تتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي (أ ف ب)
لندن | دخلت العلاقات عبر الأطلسي منعطفاً حادّاً جديداً، مع إعلان وزارة الدفاع الأميركية، رسمياً، بدء إجراءات سحب خمسة آلاف جندي من قواعدها العسكرية المنتشرة في الأراضي الألمانية. ويمثّل هذا القرار ذروة جديدة في مسار تصاعد التوتر بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحلفاء أوروبيين، وهو يأتي كردّ فعل مباشر على تصريحات المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، التي عدّت السياسة الأميركية تجاه إيران مهينة ومفتقرة إلى استراتيجية واضحة.
ويميل أغلب المراقبين إلى قراءة الخطوة الأميركية كأحدث إشارة إلى تحوّل جذري في العقيدة الأمنية للعلاقات عبر الأطلسي. ذلك أن إدارة ترامب باتت تربط صراحة استمرار مظلّة الحماية الأميركية لدول أوروبا، بمدى جدية الدعم الذي تمحضه الأخيرة لعدوان الولايات المتحدة المشترك مع إسرائيل ضدّ إيران، المستمرّ منذ نهاية شباط/ فبراير الماضي، والذي يتّخذ الآن شكل حصار بحري شامل.
ومن المؤكّد أن سحب خمسة آلاف جندي لن يغيّر موازين القوى العسكرية بشكل فوري، لكنه يوجّه ضربة قوية إلى مفهوم الردع المعنوي والسياسي الذي يمثّله الوجود الأميركي المستمرّ في القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1945). وهذا ما أكّده مسؤول عسكري أميركي نُقل عنه قوله إن التأثير على القوة القتالية الفعلية سيكون محدوداً، لكنّ الرسالة السياسية بالالتزام الأميركي تجاه القارة باتت مختلفة تماماً.
ويرتبط هذا القرار بسياق أوسع من الخلاف حول ملف الطاقة وطرق الملاحة الدولية؛ إذ تتّهم واشنطن، برلين، بالتقاعس عن المشاركة في المجهود الأميركي لحماية المصالح الحيوية المشتركة في الخليج الفارسي، فيما ترى ألمانيا أن الانخراط في مغامرات عسكرية غير محسومة النتائج يهدّد الأمن القومي الأوروبي، ويقوّض استقرار الأسواق العالمية المهتزّة أصلاً منذ بدء العدوان على إيران.
وكانت شرارة الحلقة الأحدث من وقائع الشقاق المتّسع بين جانبَي الأطلسي، انطلقت من مدينة مونستر الألمانية، حيث وجّه المستشار الألماني، في حديث أمام طلاب إحدى الثانويات، انتقادات لاذعة إلى الاستراتيجية الأميركية بشأن المواجهة مع إيران. واعتبر ميرتس أن الولايات المتحدة تعرّضت للإذلال على يد المفاوضين الإيرانيين، مشكّكاً في امتلاكها رؤية شاملة لإنهاء الحرب. وقابل ترامب تلك الانتقادات بردّ فعل عنيف وسريع، مستخدماً منصّاته للتواصل الاجتماعي للهجوم شخصياً على ميرتس، متّهماً إياه بالفشل الذريع في إدارة ملفّات الهجرة والطاقة في ألمانيا.
على أن هذا الخلاف الذي أخذ شكل مُشادّات كلامية بين الزعماء، يختصر تحدّيات تمسّ صلب العلاقة الدفاعية التقليدية بين الولايات المتحدة وحلفائها في القارّة القديمة، إذ يرى الجانب الأميركي أن رفض ألمانيا، إلى جانب إيطاليا وإسبانيا، منح تسهيلات عسكرية للقوات الأميركية أو المشاركة في العمليات البحرية في الخليج، يمثّل خروجاً عن روح التحالف الغربي التاريخي. واعتبر مسؤول كبير في «البنتاغون»، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الخطاب الألماني الأخير كان «غير مناسب وغير مفيد»، وأن الرئيس يردّ على تصريحات ميرتس بما تستحقّ، مبيّناً أن هذه الأجواء دفعت وزارة الحرب إلى تسريع خطط إعادة تموضع للقوات، كانت بالفعل قيد الدراسة بهدف تقليص الاعتماد على قواعد الدول الأقلّ تعاوناً مع الولايات المتحدة.
وبحسب المتحدّث باسم البنتاغون، شون بارنيل، فإن عملية الانسحاب المُقرَّرة ستستغرق ما بين ستة واثني عشر شهراً لاكتمالها بشكل نهائي. ويشمل هذا الانسحاب، الذي قد تتبعه خطوات أخرى، إخراج لواء قتالي كامل كان قد نُشر في ألمانيا كتعزيزات إضافية عقب الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022. وإلى جانب ذلك، قرّرت الإدارة الأميركية إلغاء خطط سابقة من عهد الرئيس جوزيف بايدن، كانت تهدف إلى نشر كتيبة مدفعية وصواريخ بعيدة المدى لتعزيز منظومة الردع في مواجهة «التهديدات الروسية»، وهو ما سيخلق فجوة في قدرات الدفاع الأوروبية.
ثمّة ما تغيَّر في مزاج العلاقات عبر الأطلسي بعد العدوان على إيران
ويمثّل هذا التراجع العسكري ضربة موجعة للتخطيط الدفاعي المشترك؛ إذ تُعدّ ألمانيا المركز العصبي للعمليات الأميركية في ثلاث قارات، وهي تحتضن أكبر تجمّع للقوات الأميركية خارج الولايات المتحدة واليابان. وتُعتبر «قاعدة رامشتاين الجوية» و«مركز لاندستول الطبي الإقليمي» ركيزتَين لا يمكن تعويضهما بسهولة، كونهما محطّتَين رئيسيتَين لدعم العمليات في أفريقيا والشرق الأوسط وتوفير الرعاية الطبية العاجلة للجنود المُصابين.
ولم يمرّ وقت على صدور القرار، حتى بدأت العواصم الأوروبية الإعراب عن هواجسها تجاهه. ووصف وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، الخطوة الأخيرة بأنها «متوقَّعة» بالنظر إلى التهديدات المتكرّرة السابقة من البيت الأبيض، مؤكداً أن ألمانيا ماضية في تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية وتقوية الركيزة الأوروبية داخل «حلف شمال الأطلسي». وقال بيستوريوس إن وجود الجنود الأميركيين في أوروبا يصبّ في مصلحة الجانبَين، لكنه شدّد على ضرورة أن يتحمّل الأوروبيون مسؤولية أكبر في أمنهم.
وحذّر رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، من جهته، من أن «تفكّك التحالف يمثّل التهديد الأكبر للمجتمع العابر للأطلسي»، داعياً الدول الأوروبية إلى تحمّل مسؤولياتها في حماية أمن القارة. أمّا سكرتارية «الناتو» فأعربت عن قلقها البالغ من غياب التنسيق المُسبق، واصفة القرار الأميركي بأنه أُحادي الجانب، ومعتبرةً أنه قد يرسل إشارات خاطئة إلى الخصوم، خاصة روسيا التي تراقب عن كثب أيّ تصدّع في وحدة الصف الغربي.
وفي واشنطن نفسها، أصدر كبار المشرّعين من «الحزب الجمهوري» في لجان القوات المسلّحة في مجلسَي النواب والشيوخ، بيانات مشتركة تنتقد بشدة التراجع العسكري في أوروبا. واعتبر السيناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز أن تقليص القوات في هذا التوقيت يمثّل «خطأ استراتيجياً فادحاً»، ويقوّض جهود الردع التي بنيت لعقود، فيما أعرب جمهوريون بارزون عن قلقهم من أن الخطوة تبعث بـ«إشارة خاطئة» إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. ويستند المعارضون إلى تشريعات قانونية أُقرّت أخيراً، تمنع الرئيس من خفض عدد القوات في أوروبا إلى ما دون ستة وسبعين ألف جندي من دون موافقة الكونغرس، وهو ما ينذر بمعركة قانونية بين البيت الأبيض و«الكابيتول هيل».
وفي المقابل، يراهن ترامب على أن الضغط العسكري المباشر سيدفع الدول الأوروبية إلى الانصياع لمطالبه بزيادة الإنفاق على شراء أسلحة ومعدّات أميركية، كما لوّح توازياً بفرض رسوم جمركية ثقيلة تصل إلى 25% على السيارات الأوروبية، في ما يعني أنه يربط ملفّات الأمن والتجارة في معادلة تفاوضية واحدة. وفي أحدث تصريح له، أكّد الرئيس الأميركي أن بلاده ستخفّض عدد القوات في أوروبا بـ«أكثر بكثير من خمسة آلاف جندي»، مضاعفاً بذلك حالة الغموض حول نطاق الانسحاب النهائي. وبحسب تقارير صحافية من واشنطن، فإن الإدارة الأميركية قد تسحب أيضاً قوات من إيطاليا وإسبانيا بسبب موقف الأخيرتَين المتشدّد تجاه الحرب؛ إذ كانت رفضت روما استخدام قاعدة جوية في صقلية لإطلاق عمليات قصف ضدّ إيران، وهو ما فعلته أيضاً مدريد التي وصف ترامب موقفها بأنه «سيّئ للغاية».
وفيما تتّجه الأنظار نحو الخطوات القادمة لبرلين، فإن الحكومة الألمانية بدأت بالفعل تسريع برامج إعادة التسلّح وتحديث الجيش. ويُتوقع أن يصل الإنفاق العسكري الألماني إلى مستويات تاريخية تتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس إدراكاً عميقاً لكون حقبة الاعتماد المُطلق على الحماية الأميركية قد انتهت. ومع ذلك، ستواجه أوروبا تحدّيات لوجستية هائلة في بناء قطب دفاعي مستقلّ لملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأميركي، خاصة في ظلّ مترتّبات العدوان على إيران وارتفاع تكاليف التصنيع بسبب أزمة الطاقة.
ويقول المراقبون إن الإصرار الأميركي على معاقبة برلين عسكرياً قد يكون بوابة تغيير جذري في البنية الجيوسياسية الأوروبية برمّتها، وهو ربما يدفع دولاً من مثل بولندا ودول البلطيق إلى البحث عن ضمانات أمنية بديلة، كما أنه سيدفع ألمانيا حتماً إلى تعزيز تعاونها الدفاعي مع فرنسا وبريطانيا، في سبيل تأسيس نظام عسكري أوروبي مستقلّ. وسواء اكتملت الانسحابات الأميركية أو واجهت عراقيل في الكونغرس، فإن المؤكّد أن ثمة ما تغيَّر في مزاج العلاقات عبر الأطلسي بعد العدوان على إيران، وأن العالم ما بعد «هرمز»، لن يكون حتماً كما قبله.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها